ابن حمدون
298
التذكرة الحمدونية
وأخرج رقعة وكتابا لطيفا مختوما في ربع قرطاس ؛ ففضضته فإذا هو بخطَّ المتوكَّل الذي أعرفه إليّ [ يأمرني فيه ] بالانصراف وتسليم ما أتولاه إلى أحمد بن أبي خالد ، والخروج ممّا يلزمني ورفع الحساب إليه . فورد عليّ [ ذلك ] أقبح مورد لقرب عهد الرجل بشتمي له ، وأنّه في الحال تحت حديدي ومكارهي . فأمسكت مبهوتا ، ولم ألبث أن دخل أمير البلد وأصحابه وغلمانه ، فوكَّل بداري وبجميع ما أملكه وبأصحابي وغلماني وجهابذتي وكتّابي ، وجعلت أزحف من الصدر إلى أن صرت بين يدي أحمد بن أبي خالد . ودعا أمير البلد بحدّاد فحلّ قيوده ؛ فوثب قائما وقال : يا أبا أيوب ، أنت قريب عهد بعمالة هذا البلد ولا منزل لك فيه ولا صديق ، ومعك حرم وحاشية كثيرة ، وليس يسعك إلا هذه الدار وإن كانت دار العمالة ، فأنا أجد عدّة مواضع وليس لي كبير حاشية ، ومن نكبة خرجت ، فأقم مكانك . وخرج وصرف التوكيل عني وعن الدار ، وأخذ كاتبي وأشيائي . فلما انصرف قلت لأصحابي : هذا الذي نراه في النوم ؟ انظروا من وكَّل بنا ، فقالوا : ما وكَّل بنا أحد ، فعجبت من ذلك عجبا عظيما . قال : وما صلَّيت العصر حتى عاد إليّ من كان حمله معه من المتصرّفين والكتّاب والجهابذة مطلقين ، فقالوا : أخذ منّا خطوطنا برفع الحساب ، وأمرنا بالملازمة وأطلقنا . قال : فازددت تعجّبا ؛ فلما كان من غد باكرني مسلَّما ، ورحت إليه في عشيّة ذلك اليوم ، فأقمت ثلاثين يوما ، إن سبقني عن المجيء رحت إليه ، وإن راح إليّ باكرته ، وكلّ يوم تجيئني هداياه وألطافه من البلح والفاكهة والحيوان والحلواء ؛ فلما كان بعد ثلاثين يوما جاءني فقال : قد عشقت مصر يا أبا أيوب ! واللَّه ما هي طيّبة الهواء ، ولا عذبة الماء ، ولكن تطيب بالولاية والكسب ، ولو قد دخلت إلى سرّ من رأى لما أقمت بها شهرا إلا وقد تقلَّدت أجلّ الأعمال . فقلت : واللَّه ما أقمت إلا متوقّعا أمرك في الخروج . فقال : أعطني خطَّ كاتبك بأنّ عليه القيام بالحساب ، واخرج في حفظ اللَّه . قال : فأحضرت كلّ شيء وأخذت خطَّه كما أراد ، وسلَّمته إليه . فقال لي :